الشيخ محمد الصادقي
18
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
هذه الأدني أن تجتاز هذه المعاريض ، وهي سليمة لا تزداد إلا تشعشعاً وتلاءلوءً ، فلست أنت بدعاً من الرسل في سنة التكذيب فإنها مطرودة عَبْرَ الرسالات كلها . ثم « ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ » تنديد شديد بهؤلآء الاغباش الأنكاد ، وقد كانوا من سبقوهم أشد منهم وأقوى ، أخذٌ شديد بعد إملاءٍ وإمهالٍ مديد ، وأمَدُّهم قوم نوح ثم فرعون ثم إخوانهم « إن اخذ ربك لشديد » . ولماذا يفرد موسى في جملة خاصة بتكذيب مجهول دون « قَوْمِ مُوسى » ؟ لأنه كذبه القبط الفرعوني كأصل ، مهما كذبه قومه أحياناً عن جهالة وغباوة دون فرعنة وعناد ، كذبه هؤلاء واولآء رغم آياته البينات التي هي أكثر من آيات الرسل الذين قبله ! وضخامة الأحداث التي صاحبتها ، فعليك بالتصبُّر يا حامل الرسالة الأخيرة لتجتاز كل العقبات ، وتتحمل كل العقوبات ، فإنك موعود بالنصر كمن سبقوك من حملة الرسالات ، والمكذبون موعود بالأخذ النكير « ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ » ؟ نكراني عليهم عملياً في هذه الأدنى وهي ليست دار جزاءٍ ، فويلاهم إذاً من الأخرى ، وإنه هنا نكير الطوفان والغرق والتدمير ، والخسف والهلاك والزلازل والعواصف والترويع ما يعجز عنه التعبير . فتلك مصارع الغابرين المذكورين في صحائف التاريخ أمام الحاضرين والآتين ، إنذاراً للمكذبين ، وتبشيراً للمؤمنين ، ولهم نظائر دونهم أو أمثالهم . عليكم أنفسكم ثم أنفس الآخرين « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » « 1 » ترى هكذا يؤمر الداعية الرسالية والرساليون المؤمنون به ؟ وهي « عُذْراً أَوْ نُذْراً » ؟ لا يُسمح للداعية ترك الدعوة مهما كان المدعوون صَلتين هكذا وصلبين ! وقد سجن ذا النون إذ ذهب مغاضباً تاركاً
--> ( 1 ) ) . سورةالمائدة 5 : 105